أحمد بن حجر الهيتمي المكي
65
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة
قالوا بذلك لأدلة صرحت به هم مجتهدون والمجتهد إذا أخطأ له أجر فكيف يقال حينئذ بالتكفير وهو لا يكون إلا بإنكار مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة عنادا كالصوم والصلاة وأما ما يفتقر إلى نظر واستدلال فلا كفر بإنكاره وإن أجمع عليه على ما فيه من الخلاف وانظر إلى إنصافنا معشر أهل السنة والجماعة الذين طهرنا الله من الرذائل والجهالات والعناد والتعصب والحمق والغباوة فإننا لم نكفر القائلين بأفضلية علي على أبي بكر وإن كان ذلك عندنا خلاف ما أجمعنا عليه في كل عصر منا إلى النبي على ما مر أول هذا الباب بل أقمنا لهم العذر المانع من التكفير ومن كفر الرافضة من الأمة فلأمور أخرى من قبائحهم انضمت إلى ذلك فالحذر الحذر من اعتقاد كفر من قلبه مملوء بالإيمان بغير مقتض تقليدا للجهال الضالة الغالية وتأمل ما صح وثبت عن علي وأهل بيته من تصريحهم بتفضيل الشيخين على علي فإن هؤلاء الحمقى وإن حملوه على التقية الباطلة المشؤومة عليهم فلا أقل من أن يكون عذرا لأهل السنة في اتباعهم لعلي وأهل بيته فيجتنب اعتقاد الكفر فيهم فإنهم لم يشقوا عن قلب علي حتى يعلموا أن ذلك تقية بل قرائن أحواله وما كان عليه من عظيم الشجاعة والإقدام وأنه لا يهاب أحدا ولا يخشى في الله لومة لائم قاطعة بعدم التقية فلا أقل أن يجعلوا ذلك منهم شبهة لأهل السنة مانعة من اعتقادهم كفرهم سبحانك هذا بهتان عظيم خاتمة سئل شيخ الإسلام محقق عصره أبو زرعة الولي العراقي رحمه الله عمن اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم ولكنه يحب أحدهم أكثر هل يأثم فأجاب بأن المحبة قد تكون لأمر ديني وقد تكون لأمر دنيوي فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضا نعم إن أحببنا غير الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة وإحسان ونحوه فلا تناقض في ذلك ولا امتناع فمن اعترف بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي لكنه أحب عليا أكثر من أبي بكر مثلا فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررناه وهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسانه وأما بقلبه فهو مفضل لعلي لكونه أحبه محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر وهذا لا يجوز وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه من ذرية علي أو لغير ذلك من المعاني فلا امتناع فيه والصحيح الامتناع لما تقدم من قول علي رضي الله عنه لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر في قلب مؤمن يعرف ضعف ذلك عقلا ونقلا وأهل البيت مطهرون مبرؤون لا يصدر عنهم إلا المحبة والمودة انتهى الفصل الثاني في ذكر فضائل أبي بكر الواردة فيه وحده وفيها آيات وأحاديث أما الآيات فالأولى قوله تعالى وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده